أسرار قبرص القذرة

مقال طويل

أسرار قبرص القذرة

تبحث وحدة تحقيقات الجزيرة في ما يخبرنا به تسرب للوثائق السرية حول برنامج الجنسية القبرصية عن طريق الاستثمار.

26 أغسطس 2020 | 19 دقيقة قراءة


كان صباحاً بارداً جداً من شهر ديسمبر، كما هو مألوف في العاصمة الفيتنامية. احتشدت كتيبة من الصحفيين خارج محكمة الشعب المهيبة في هانوي، ذلك المبنى الضخم الأبيض ذو الأعمدة، حيث عقدت محاكمات مسؤولين كبار في الحزب الشيوعي اتهموا بالإخلال الوظيفي، وكانت وقائع المحاكمات تنقل عبر التلفاز.

بدا كما لو أن وزير الإعلام السابق نغوين باك سون سيصبح آخر من تناله حملة الحكومة الشاملة ضد الفساد، وكانت وسائل الإعلام تتابع الحدث بينما كانت عائلته تدخله إلى المحكمة.

كان سون شخصية قوية في الحكومة الفيتنامية من عام 2011 إلى عام 2016. وفي وقت متأخر من العام الماضي، بعد محاكمة استمرت أسبوعين، حكم عليه بالسجن مدى الحياة لتلقيه رشوة بقيمة 3 مليون دولار في صفقة لها علاقة بشركة الاتصالات الهاتفية موبيفون المملوكة للدولة وشركة تلفزيونية خاصة اسمها أوديو فيجوال غلوبال جيه إس سي. نجا من عقوبة الإعدام فقط لأن عائلته أعادة المبلغ إلى الدولة.

قبل ذلك، دخل القاعة دون كبير ضجيج الرجل الذي دفع الرشوة، وهو رئيس الشركة التلفزيونية واسمه فام نهات فو. أطل على الحضور بنظاراته وصلعته، وتناول الميكروفون ليتحدث باهتمام كبير، كما لو كان يقرأ من نص مكتوب. قال الادعاء إن فو تعاون بفعالية مع السلطات في التحقيق، وأكد على نحو واف أنه فعلاً دفع 3 ملايين دولار لسون.

بدا فو داخل المحكمة شخصاً عادياً، ولم يبد كما لو كان جزءاً من نخبة عالمية أو كشخص بإمكانه، لو لم يُحبس، أن يسافر ويستقر في المكان الذي يختاره.

ولكن لدى فو داعمون أقوياء. فشقيقه فام نهات فوونغ أغنى رجل في فيتنام، ووجهت رسائل تلتمس العفو والرحمة لفو من قبل أقوى هيئة بوذية في فيتنام، ومن قبل الصليب الأحمر الفيتنامي ومن قبل السفير الروسي. لم يُحكم بسوى ثلاث سنين من السجن. لفت فو انتباه وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة لسبب مختلف تماماً. فقبيل مثوله أمام المحكمة حصل على جواز سفر من جمهورية قبرص.

جواز ذهبي

كان فام نهات فو واحداً من الآلاف الذي دفعوا مالاً مقابل الحصول على الجنسية القبرصية بموجب برنامج الجنسية عبر الاستثمار، ويظهر اسمه ضمن قائمة بأسماء أولئك الذين كشفت عنهم أوراق قبرص، الرزمة الضخمة من الوثائق الرسمية المسربة، والتي حصلت عليها وحدة التحقيقات.

لطالما اعتبرت الحكومة القبرصية ما هو معروف اليوم باسم برنامج الاستثمار في قبرص مصدراً مهماً من مصادر الدخل – إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه عاد على الحكومة حتى الآن بحوالي 8 مليار دولار. ولذا، ليس مفاجئاً أن يكون هذا البرنامج قد ولد في عام 2013، بعد أسوأ أزمة مالية تضرب هذا البلد الواقع في البحر المتوسط في تاريخه.

بالنسبة لمن يملكون فائضاً من المال، يعود عليهم جواز سفر قبرص الذهبي بفوائد جمة، فهو يمنحهم القدرة على إيداع أموالهم في حسابات بنكية أوروبية كما يتيح لهم فرصة العيش والعمل والتنقل بحرية ليس فقط في قبرص وإنما أيضاً في 27 بلداً داخل الاتحاد الأوروبي، ويمكنهم من السفر دون حاجة إلى تأشيرة دخول إلى 176 بلداً – وكل ذلك مقابل ثمن "معقول" وهو عبارة عن استثمار لا يقل في حده الأدنى عن 2.5 مليون دولار، شريطة أن ينفق معظمها على العقارات.

أوراق قبرص

بحثت وحدة التحقيقات في ما يقرب من 2500 شخص وردت أسماؤهم في أوراق قبرص حيث تظهر في أكثر من 1400 طلب جنسية، إما كمتقدم رئيس أو كواحد من أفراد عائلته. يتم الإفصاح عن اسم الأفراد فقط في حال توفر دليل جلي على ضلوع الشخص في ممارسات غير سوية أو فيما لو كان مسؤولاً حكومياً لم يعد مؤهلاً للحصول على الجنسية بموجب مجموعة جديدة من القواعد التي وضعتها قبرص في عام 2019.

أكبر عدد من المتقدمين للحصول على الجنسية القبرصية – ما يقرب من ألف شخص – هم من مواطني روسيا، يليهم ما يقرب من ألف مواطن صيني، ثم ما يزيد قليلاً عن 100 شخص من أوكرانيا. أما عدد مواطني الدول الشرق أوسطية فبلغ 350.

يتوزع هؤلاء على مختلف الأعمار والمهن، ولكن المشترك بينهم جميعاً هو حصولهم على ثروات ضخمة، وفي بعض الأحيان عبر طريقة مريبة.

ما كان مثيراً للانتباه في التحقيق هو أن فام نهات فو هو واحد من عشرات الأشخاص الذين تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية القبرصية وما كان لطلباتهم أن تقبل لو أنهم تقدموا بها اليوم ولو أن طلباتهم خضعت لعملية تدقيق سليمة.

بدأ تطبيق "برنامج الجنسية عبر الاستثمار" في 2016، وبذلك حل محل برنامج سابق كان يمنح الجنسية من خلال الاستثمار. تضمن البرنامج الجديد تحديد مواصفات مالية فيمن يرغبون في الحصول على الجنسية، ومن ذلك خفض مبلغ الاستثمار المطلوب بأكثر من مليون دولار. ومثله مثل سابقه، اشترط هذا البرنامج أن يكون المتقدمون أصحاب "سجلات جنائية نظيفة"، ولكنه أخفق في تعريف ماذا يعني ذلك.

ظهر أنه لا يستثني أولئك الذين هم قيد إجراءات جنائية أو رهن التحقيق، وكثير من أصحاب الطلبات الذين تظهر أسماؤهم في أوراق قبرص تقدموا بطلباتهم بينما كانوا على وشك أن يدانوا بجرائم.

مطلوب من الحكومة القبرصية بموجب القواعد التي وضعتها لنفسها أن تجري تحريات من خلال البحث في قواعد بيانات اليوروبول (البوليس الأوروبي) والإنتربول (البوليس الدولي). ولكن من الناحية العملية يُترك الأمر لأصحاب الطلبات أنفسهم حتى يقدموا معلومات عن خلفياتهم يحصلون عليها من السلطات الموجودة في بلدانهم الأصلية. والمدهش أن معدل الرفض كان منخفضاً جداً، لم يتجاوز 2 بالمائة من الطلبات المقدمة ما بين 2013 و2018.

تم تصنيف أحد الأفراد على الرغم من إدانته بالابتزاز قبل ستة عشر عاماً على أنه يحمل "سجلاً جنائياً نظيفاً". ويثير هذا سؤالاً حول ما إذا كان السجل الجنائي لرجل هو الآن من علية القوم في روسيا قد تم تجاهله – أو ما إذا كان قد اعتبر مشطوباً.

رجال أعمال وسياسيون ومليارديرية

في أمسية باردة من أمسيات شهر ديسمبر من عام 2015، تجمعت نخبة من علية القوم في سانت بطرسبيرغ في إحدى الحفلات. وكان من بين الضيوف اللامعين مقدم البرامج التلفزيونية الشهير إيفان أورغانت والوجيهة كسينيا سوبتشاك، ابنة أول عمدة للمدينة تم انتخابه ديمقراطياً وزوجته، والتي كانت عضواً في مجلس الشيوخ الروسي.

جاءوا جميعاً للاحتفال بعيد ميلاد غلام في التاسعة من عمره، وهو الابن الأصغر لعلي بيغلوف، الذي أنفق نصف مليون دولار على الحفلة.

بيغلوف رجل ضخم الجثة ذو قصة شعر مميزة، يعرف أيضاً باسم "علي تارترين" وهي كنية اكتسبها في أيامه الخوالي عندما كان منخرطاً في العالم السفلي في مدينة سانت بطرسبيرغ. كان قد قضى عقوبة بالسجن لعامين من 1990 إلى 1992 بتهمة الابتزاز.

لم تحل إدانة بيغلوف دون تمكنه من الحصول على جواز سفر قبرصي كما لم تحل دون صعوده إلى أعلى دوائر السلطة في روسيا.

ما بين 1999 و2016 شغل بيغلوف منصب المدير العام لإحدى الشركات التابعة لثاني أكبر مؤسسة نفط وغاز في روسيا، اسمها لوكويل، والتي تناط بها مهمة إدارة وحدات تخزين النفط في 35 ميناء في أنحاء روسيا وفي الخارج، وتقدر أرباحها الصافية بما يقرب من مليار روبل في العام (13.2 مليون دولار).

قبل شهور من إقامة بيغلوف للحفلة المترفة احتفاء بعيد ميلاد ابنه ذي التسعة أعوام، أقدمت شركة لإنتاج الألبان تأسست حديثاً ويديرها ابنه الأكبر على فتح مكتب لها في المقر الإقليمي لشركة لوكويل على ضفة النهر في سانت بيترسبيرغ. وبعد عام واحد، كانت الشركة تورد منتجاتها من الألبان ومشتقاتها إلى المحكمة الدستورية الروسية وجهاز الأمن الفيدرالي (إف إس بي)، ومجلس الدولة، والمجلس الفيدرالي.

في أوكرانيا المجاورة، حيث أسقطت ثورة يوروميدان في 2014 الرئيس الفاسد وسيء الصيت فيكتور يانوكوفيتش، كانت النخبة حريصة أيضاً على جوازات سفر قبرصية.

ومن هؤلاء مايكولا زلوتشيفسكي، الذي اتهم بإساءة استخدام موقعه كوزير للبيئة والموارد الطبيعية في حكومة يانوكوفيتش، وذلك لإفادة شركة الطاقة التابعة له واسمها بوريزما القابضة – التي تتخذ من كييف مقراً لها ولكن المثير للانتباه أنها مسجلة في قبرص – بحيث تحصل على الأفضلية في استصدار رخص استخراج الموارد الطبيعية في أوكرانيا.

غدت بوريزما عنواناً في وسائل الإعلام الأمريكية بعد أن تبين أن نجل نائب الرئيس السابق جو بايدين، هانتر بايدين، انضم إلى مجلس إدارتها بينما كان والده مكلفاً بمتابعة ملف السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا. يخضع زلوتشيفسكي للتحقيق بتهمة الفساد منذ أن غادر موقعه الوزاري في عام 2002. وأدين مؤخراً بالرشوة بعد أن وضع موظفو مكافحة الفساد أيديهم على خمسة ملايين دولار نقداً، يقال إنها كانت لرشوة المحققين حتى يتخلوا عن التحقيق في بوريزما. حصل زلوتشيفسكي على جواز سفر قبرصي في الأول من ديسمبر 2017، ويقال إنه يعيش الآن في موناكو.

حتى قبل أوراق قبرص كُتب الكثير عن الأوليغاركيين الروس والأوكرانيين الذين اشتروا جنسية قبرصية، بمن فيهم أوليغ ديريباسكا، رجل الأعمال الملياردير المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين.

ومن ضمن من صدرت الموافقة على طلباتهم للحصول على الجنسية القبرصية واحد من أشهر الهاربين من العدالة واسمه لو تايك جهو، الشهير باسم جهو لو، والذي يقال إنه كان العقل المدبر من وراء عملية احتيال بما يعادل 700 مليون دولار، وهي الفضيحة التي أطاحت برئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب رزاق.  

ربما كانت تلك التقارير هي السبب الذي دفع وزير الداخلية القبرصي في 2019 إلى التصريح بسلسلة من الإعلانات، بما في ذلك إلغاء 29 جواز سفر كانت قد منحت بالخطأ وتشديد خصائص التأهل للتقدم بأي طلبات في المستقبل.

كل من يصنف على أنه شخص مكشوف سياسياً – وهو الشخص الذي يكون مسؤولاً في موقع رفيع داخل الحكومة أو في شركة تملكها الدولة – سوف يحظر عليه في المستقبل الحصول على الجنسية القبرصية على الأقل لمدة لا تقل عن خمسة أعوام بعد تركه منصبه، كما وسوف يحظر ذلك على أفراد عائلته وشركائه في العمل.

يزعم المحققون في قضايا الفساد أن الأشخاص المكشوفين سياسياً أكثر عرضة من غيرهم للتورط في ممارسات فاسدة وذلك بسبب تمكنهم من الوصول إلى أموال الدولة.

كما يوضح القانون القيود المفروضة على طلبات الأشخاص المرتبطين بكيانات خاضعة للعقوبات وكذلك طلبات من هم رهن التحقيق أو يواجهون تهماً جنائية أمام المحاكم.

مصرف الكريملين والأشخاص المكشوفون سياسياً حول العالم

بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في 2014، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على أهم قطاعات الاقتصاد الروسي، مما أثر على مصرف في تي بي بانك. ما فتئ في تي بي يلعب دوراً محوراً في تجليات القوة الاقتصادية لموسكو، من ضخ الاستثمارات في بلغاريا، البلد الذي كان سابقاً جزءاً من المعسكر الشيوعي وبات الآن عضواً في الاتحاد الأوروبي، إلى تمويل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي انعقدت في سوتشي في 2014، حتى غدا يعرف باسم "مصرف الكريملين".

استثمر ثلاثة من كبار المدراء في مصرف في تي بي في عقارات متجاورة ضمن مشروع فلل الساحل المرجاني بالقرب من بافوس، المنتجع البحري في قبرص. أليكسي ياكوفيتسكي، المدير التنفيذي لـ في تي بي كابيتال، وفيكتوريا فانيورينا، عضو مجلس إدارة مصرف في تي بي، وفيتالي بوزوفيريا، نائب الرئيس الأقدم لمصرف في تي بي، كلهم أجيزت طلباتهم للحصول على الجنسية القبرصية هو وأزواجهم.

تظهر البيانات التي جمعت من قبل غلوبال ويتنيس، المنظمة غير الحكومية المعنية بمكافحة الفساد، ما بين 2007 و 2016 أن قبرص كانت الوجهة الأولى للاستثمارات الخارجية من قبل أشخاص مقيمين في روسيا – فيما عرف باسم هرب رؤوس الأموال – والتي قدرت قيمتها بما يقرب من 130 مليون دولار. على الرغم من أنه لا يقصد الإيحاء بأن هذا المال يستخدم لأغراض إجرامية، تتنامى الأدلة على أن قبرص باتت الوجهة المفضلة من قبل الروس الراغبين في غسيل الإيرادات التي يكسبونها من تعاملات مشبوهة.

يمثل منح الجنسية لمن يصنفون على أنهم أشخاص مكشوفون سياسياً مشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، حيث أن لوائح الاتحاد تقيد بشكل صارم منح جوازات سفر الاتحاد الأوروبي لأشخاص مكشوفين سياسياً. لم تلتزم قبرص بتلك اللوائح إلا في صيف عام 2019، ولكن ليس قبل أن يتمكن كثير من الأشخاص المكشوفين سياسياً من الاستفادة بشكل كامل من البرنامج القبرصي.

ما من شك في أن مير رحمان رحماني، رئيس الغرفة السفلى في المجلس الوطني الأفغاني، شخص مكشوف سياسياً وبشكل صارخ. قبل أن يدخل عالم السياسة، بنى رحماني امبراطورية أعمال تزود قوات الاحتلال الأمريكي في أفغانستان بالوقود والخدمات الأمنية. ينص طلبه الذي تمت الموافقة عليه على أن زوجته وبناته الثلاث مواطنون أيضاً في سانت كيتس أند نيفيس، البلد الآخر الذي لديه برنامج للحصول على الجنسية من خلال الاستثمار. كما أن ابنه حاجي أجمل رحماني، وهو سياسي يمثل العاصمة كابول، سعى هو الآخر للحصول على جنسية قبرصية.

لدى مجموعة رحماني مصالح ليس فقط في أفغانستان بل وكذلك في الخليج وأوروبا. من وجهة نظر خبراء الفساد فإن رحماني الأب والابن في موقع يمكنهما من التأثير في السياسة بشكل يعود عليهما بالإثراء الشخصي. ومن شأن جواز السفر القبرصي أن يسمح لهما بإيداع ثرواتهما في حسابات مصرفية أوروبية بعيداً عن عيون الرقيب.

كان ينبغي على إجراءات التدقيق والتحقق القبرصية أن تكتشف كذلك فلاديمير خريستنكو، وهو شخص مكشوف سياسياً من خلال والده فيكتور خريستنكو وزوجة أبيه تاتيانا غوليكوفا. فكلاهما تقلدا عدداً من المناصب السياسية الرفيعة بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء في روسيا، بينما شغل فيكتور مرتين منصب وزير الصناعة. وأما غوليكوفا، والتي كانت وسائل الإعلام الروسية ذات مرة قد وصفت بأنها "واحدة من أسوأ نواب رئيس الوزراء في روسيا الاتحادية"، فشغلت منصب وزيرة الصحة ومنصب مساعدة بوتين.

أعلن الزوجان عن أن دخلهما السنوي في 2017 تجاوز المليون دولار، وذلك على الرغم من أن صافي قيمة ثروتهما المشتركة أكبر من ذلك بكثير، ليس على الأقل بسبب الحصص الكبيرة التي يملكانها في منتجعات الغولف الفاخرة والتي تقدر قيمتها مجتمعة بما لا يقل عن 360 مليون دولار. وطبقاً لمشروع الإخبار عن الجريمة المنظمة والفساد، وهي منصة إخبارية استقصائية، "ليس واضحاً من الإعلان عن الدخل كيف تمكن خريستنكو وزوجته غوليكوفا من حيازة مثل هذه الممتلكات الثمينة."

في عام 2006، أصبح فلاديمير البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً رئيس المجلس الاستشاري لشركة تشيكية تابعة لمجموعة مصنع أنابيب تشيليابينسك. يدير حالياً شركة الصناعات الدوائية نانوليك – والتي تملكها مؤسسة قبرصية – والتي قيل إنها منهمكة في تطوير مطعوم لكوفيد-19، بالإضافة إلى إنتاجها هايدروكسي كلوروكين، العقار الخاص بالملاريا والذي روج له البعض باعتباره علاجاً لكوفيد-19 بالرغم من عدم وجود ما يثبت قدرته على كبح جماح فيروس كورونا.

إن التسريب الذي حصلت عليه الجزيرة، والذي يمتد على فترة عامين من 2017 إلى 2019، يسلط الضوء على الإخفاق المنتظم لبرنامج الجنسية عبر الاستثمار. فالإجراءات لا تطبق بشكل حاسم ومازال غير المؤهلين من مقدمي الطلبات يحصلون على الموافقة على الرغم مما يقال عن قيام الحكومة بتشديد الأحكام المعمول بها في فبراير 2019.

المال يتجول

بعد شهور من التسويف، أجاز البرلمان القبرصي قانوناً في يوليو / تموز 2020 يسمح للحكومة بسحب الجنسية من أي شخص يحكم عليه في جريمة خطيرة أو يخضع لعقوبات دولية أو يرد اسمه ضمن قائمة المطلوبين دولياً بعد أن يصبح مواطناً.

في تصريح للجزيرة، قال وزير الداخلية القبرصي، نيكوس نوريس، والمكلف ببرنامج الجنسية عبر الاستثمار، إنه لم يحصل أن منحت الجنسية من خلال انتهاك النظم المعمول بها آنذاك. وقال إن قبرص تتصرف بكونها دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي بشفافية تامة.

على الرغم من محاولات سد الثغرات، إلا أن العديد من المنظمات غير الحكومية وكذلك بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وبعض الشخصيات المعارضة في قبرص يطالبون بشطب البرنامج تماماً. تقول السياسية المعارضة آيرين تشارالامبيدس: "تعرض الحكومة الاتحاد الأوروبي للخطر. فهم يفتحون بوابات الاتحاد الأوروبي بالجوازات التي يبيعونها."

بينما تضررت سمعة قبرص بسبب الكشف عن البرنامج، فإنها ليست الضحية الوحيدة لدورة المال التي تتضمن شراء الجنسية. ففي كثير من الحالات، تكون الأموال المستثمرة في الشواطئ الذهبية للارنكا وبافوس أموالاً مسروقة من الشعب في روسيا وأوكرانيا والصين. وفي الوقت الذي يقوض فيه الفساد وضع هذه الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، فإنه يلحق أضراراً جسيمة كذلك بتنمية المجتمع المدني في البلدان الذي جيء منها بالأموال.

قد تكون الجوازات قبرصية، إلا أن الشركات المسجلة بلا هوية تكون مسجلة في جيرسي بينما تتواجد الحسابات البنكية في كثير من الأحيان في لندن. وترسو اليخوت في كوت دازور، بينما يتواجد المعذبون في كابول وخباروفسك وكييف.