36 يوليو / تموز: أيام حسينة الأخيرة

مقال

36 يوليو / تموز: أيام حسينة الأخيرة

كانت الانتفاضة الطلابية في بنغلاديش، والتي أسقطت حكومة هيمنت على السلطة في البلاد لخمسة عشر عاماً، حكاية مثيرة تنطق بالشجاعة والتضحية في مواجهة قمع في غاية العنف. قتل أكثر من ألف وأربعمائة شاب متظاهر رمياً بالرصاص، وأصيب بجراحات بليغة ما يزيد عن عشرين ألفاً، كثيرون منهم بفعل طلقات نارية، على مدى ثلاثة أسابيع دموية مشهودة في شهري يوليو / تموز وأغسطس / أب من عام 2024.

24 يوليو 2025


إعداد ويل ثورن

لم تكن وفاة "أبو سيد" أمراً اعتيادياً ولم تكن هي خاتمة الأمور. فبينما كان الدكتور رجيب الإسلام يعيد كتابة تقريره حول تشريح جثة الشاب تحت رقابة مشددة من قبل أعتى وأقوى الأجهزة الأمنية في بنغلاديش، كان يتساءل إلى ماذا ستؤول الأوضاع.

ففي ذلك اليوم احتشد داخل مكتب نائب رئيس كلية الطب في مدينة رانغبور ضباط من مديرية الاستخبارات العسكرية، وعناصر من مخابرات الأمن الوطني، وعناصر من الشرطة المحلية، وعناصر من قوات مكافحة الإرهاب، وأعضاء في فرع الأمن الخاص، ورئيس جمعية الأطباء المحلية.

زيادة على ذلك، قيل للدكتور رجيب الإسلام بكل صراحة ووضوح إن رئيسة وزراء بنغلاديش، الشيخة حسينة، لديها هي الأخرى اهتمام قوي بهذا التشريح.

كانت الحجرة مكتظة لسبب واحد، ألا وهو ضمان أن يقوم رئيس الطب الشرعي في مستشفى رانغبور برفع تقرير تشريح يخلص إلى أن الطالب المحلي قضى نحبه بسبب ضربة تلقاها على الرأس.

كانت تلك هي المرة الخامسة التي يعيد فيها الدكتور رجيب الإسلام كتابة تقريره حول تشريح الجثة ويرفعه إلى الشرطة، حيث تم رفض جميع المحاولات الأربع السابقة لأن خبير الطب الشرعي كان يخلص باستمرار إلى نفس النتيجة التي لا مفر منها، ألا وهي أن الشاب "أبو سيد" البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً أصيب بعدة طلقات نارية أطلقتها عليه الشرطة من على بعد مسافة قصيرة، وأنه توفي بسبب نزيف داخلي.

وعن ذلك يقول الدكتور رجيب الإسلام: "بغض النظر عن كم مرة كتبته، لم يكن ذلك ليرضيهم … فقد أدركت الشرطة مدى خطورة الأمر، نظراً لأن ما حدث كان عملية قتل خارج نطاق القانون."

لربما كان من الممكن في أوقت مختلفة وتحت ظروف مختلفة التستر على قيام الشرطة بقتل طالب. ففي حقبة مختلفة كانت حكومة الشيخة حسينة تهيمن بقوة على جميع مؤسسات الدولة وكانت تمارس سيطرة شبه تامة على الصحافة. ولكن غدت الأمور الآن مختلفة.

على منضدة التشريح كان يرقد شاب اسمه "أبو سيد"، وقد انتشرت في جسده حبيبات رصاص لبندقية خرطوش. توفي أبو سيد في السادس عشر من يوليو / تموز 2024 – وكان موته قد نقل في بث حي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يلبث المقطع المصور أن انتشر كالنار في الهشيم داخل بنغلاديش وحول العالم.

لم يكن ثمة مجال للشك في سبب الوفاة، ولم يكن أمام الحكومة ما يكفي من الوقت للتحكم بالرواية التي خرجت وانتشرت، وتمثلت في مقطع صادم يوثق آخر دقائق في حياة إنسان، راح الناس يتناقلونه ويشاهدونه المرة تلو الأخرى.

لم يكن تشريحاً معتاداً، ولا كان موتاً اعتيادياً كذلك. كان أبو سيد في ذلك اليوم يتظاهر أمام جامعة بيغام رقية في مدينة رانغبور الجهوية، على بعد مائتي كيلومتر شمالي العاصمة دكا.

كان أبو سيد قد انضم إلى الألوف من الطلبة الآخرين، الذين خرجوا إلى الشوارع في أرجاء البلاد للاحتجاج على سياسة الحكومة، التي تسمى نظام المحاصصة، والتي تخصص ثلاثين بالمائة من وظائف الخدمة المدنية لعائلات أولئك الذين قاتلوا في حرب التحرير التي دارت رحاها في البلد عام 1971، والذين يطلق عليهم "المحاربون من أجل الحرية".

هذه الميزة القيمة، والتي امتدت لتشمل أحفاد المحاربين القدامى، لطالما كانت مصدراً كبيراً للإحباط الذي يشعر به الطلاب الذين يواجهون صعوبات بالغة في إيجاد وظائف. تم تعليق هذه السياسة بعد نشوب احتجاجات في عام 2018، ولكن ما لبثت أن أعيد العمل بها في يونيو / حزيران 2024 على الرغم من أن البلد يواجه مشكلة بطالة حادة.

كان المحتجون يطالبون بإصلاح نظام ينزع نحو إيثار أنصار حزب رابطة عوامي الحاكم الذي كانت تترأسه الشيخة حسينة. بدأت الاحتجاجات بشكل سلي في دكا في وقت مبكر من شهر يونيو / حزيران، وكان المتظاهرون يقيمون الحواجز في الشوارع ويعطلون المرور عبرها.

بلغ الإحباط برئيسة الوزراء الشيخة حسينة أن خرجت على الناس في مؤتمر صحفي في الرابع عشر من شهر يوليو / تموز، حيث استخدمت كلمة رزازكارز، وهي شتيمة لاذعة، لوصف من قالت إنهم كانوا يتواطؤون مع العدو، باكستان، أثناء حرب التحرير قبل خمسين عاماً.

شعر الطلاب أنها وصمتهم جميعاً بالخيانة. وما لبثت كلماتها أن أشعلت فتيل مرحلة جديدة وعنيفة من الاحتجاجات، راح الجناح الشبابي في الحزب الحاكم، والذي يعرف باسم رابطة شهاترا، أثناءها يشن هجمات وحشية على الطلاب المحتجين في دكا.

أنصار رابطة شهاترا وهم يهاجمون الطلبة المحتجين

انتشرت بسرعة فائقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع الفيديو المصورة بالهواتف المحمولة، وسرعان ما التحق طلاب الجامعات في طول البلاد وعرضها، مثل جامعة بيغام رقية، بالحركة الاحتجاجية من باب التضامن. كان الطلاب الجدد، مثل "أبو سيد" يحتجون على أمرين اثنين: نظام المحاصصة واستخدام أجهزة الدولة للعنف سعياً لوقف الاحتجاجات.

غدت الحكومة الآن تواجه حركة شبابية غاضبة وعلى درجة عالية من المهارة في التواصل والتنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لطالما تفاخرت الشيخة حسينة بدورها في بناء بنغلاديش الرقمية، فإذا بها توشك أن تكتشف كيف بإمكان العالم الرقمي أن يحدث تغييراً سريعاً في ميزان القوة.

أحد الشباب من مدينة رانغبور، وهو طالب يدرس الإعلام اسمه توحيد الحق صيام، كان يراقب عن الاحتجاجات الدموية في دكا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فما لبث أن عقد العزم على تغطية المظاهرة التي نظمها الطلاب داخل جامعته.

عن وقائع ذلك اليوم المحتوم، تحدث الطالب صيام مع الجزيرة من فوق أطلال غانانبهابان، المقر الرسمي لإقامة رئيسة الوزراء، والذي طالما كان بؤرة ورمزاً للسلالة السياسية التي كانت تقودها الشيخة حسينة.

قال صيام: "عندما وصلنا عند أول بوابة للحرم الجامعي، كان هدفنا هو تغطية الأحداث – القيام بالمهمة الصحفية. ولكن بمجرد وصولنا إلى هناك، شهدنا صداماً بين الشرطة والطلاب. لم يكن أبو سيد مشاركاً، بل كان واقفاً بين طريقي الحرم الجامعي. كان فقط يشاهد ما يجري."

إلا أن العنف تصاعد بمجرد أن بدأت الشرطة في استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات وبنادق الخرطوش لتفريق المتظاهرين.

طوال ذلك الوقت، استمر صيام في تصوير ما يجري مستخدماً هاتفه النقال، وفي بث الصور الحية عبر صفحته على منصة فيسبوك مصحوبة بتعليق متهيج، موثقاً بشكل دراماتيكي، وأحياناً بشكل مثير للقلق، الأحداث التي سرعان ما أثارت احتجاجات عارمة في طول البلاد وعرضها.

على مدى بث حي استمر لدقائق في خضم حالة من الفوضى العارمة، تدخل الصحفي الشاب للحيلولة دون اعتداء خمسة من رجال الشرطة بالضرب المبرح على "أبو سيد"، محاولاً درء الضربات عنه بذراعيه. بعد ذلك، صور أحد رجال الشرطة وهو يوجه مسدساً نحو "أبو سيد". سارع الشرطي بخفض مسدسه بمجرد أن لمح الكاميرا.

حينما تفرق الطلاب، بقي أبو سيد وحيداً في مواجهة الشرطة، فرفع ذراعيه وصاح فيهم "أطلقوا عليّ النار، أطلقوا عليّ النار."

يقول صيام: "كانت غايته بث الشجاعة في نفوس الطلاب المرعوبين. في تلك اللحظة أطلق شرطي النار عليه … أصابت الرصاصة الأولى بطنه، وأصابت الرصاصة الثانية صدره."

بينما كان الشاب يلفظ أنفاسه وهو مرمي في الشارع، استمر صيام في التصوير بينما كان هو وآخرون يحاولون جاهدين حمل "أبو سيد" ونقله إلى مكان آمن، وكل ذلك تحت وابل من رصاص الشرطة.

وعن ذلك يقول صيام: "لم يعد قادراً على الكلام، ولكن عينيه مازالتا تحملان رسالة. عندما أفكر بتلك اللحظة، ينتابني إحساس غامر. لربما لم يعد فمه ينطق كلاماً، ولكن عينيه كانتا تنطقان – كانت عيناه تعبران عن إحساس عميق بالحزن."

خلال دقائق توالت الاتصالات الهاتفية على الدكتور إسلام. جاءته مكالمات كثيرة من الشرطة ومن المسؤولين المحليين.

"بدأت الشرطة التواصل معي مباشرة بعد إطلاق النار على "أبو سيد"، أي بعد الثالثة عصراً."

"بدأ كبار المسؤولين في الشرطة يتحدثون معي، وراحوا يؤكدون على أنه نظراً لأن العالم كله رأى "أبو سيد" يتعرض لإطلاق النار، فإنه يتوجب علي أن أكمل على وجه السرعة تشريح الجثة ثم التخلص منها، وقالوا لي أيضاً إنه يتوجب علي التركيز أكثر على حقيقة أن "أبو سيد" كانت لديه إصابة في الرأس."

وقال الدكتور في حديثه مع الجزيرة إنه تعرض على مدى أربعة عشر يوماً تلت للتهديد ومحاولات الرشوة والترهيب من أجل كتابة تقرير ينسجم مع رواية الشرطة لما حدث – ومفادها أن "أبو سيد" مات بسبب إصابة في رأسه ناجمة عن إلقاء المتظاهرين الحجارة.

إلا أن الأمور في بنغلاديش الرقمية كانت تتحرك بسرعة، حيث بدأت صور "أبو سيد" في الظهور على الجدران وعلى البنايات في كل أرجاء البلاد. لقد غدت صورته وهو واقف يتحدى الشرطة المدججة بالسلاح، وذراعاه مفتوحتان، أيقونة للانتفاضة. كان أبو سيد من أوائل المتظاهرين الذين قضوا نحبهم. ثم ما لبث العدد أن وصل إلى ألف وأربعمائة في نهاية المطاف. ومع ذلك كان لموته التأثير الأكبر.

يفسر ذلك صادق قيم، منظم النشاطات الطلابية، على النحو التالي:

"بالنسبة لنا، كان استشهاد "أبو سيد" مصدراً للإلهام. الطريقة التي مات بها، وذراعاه مفتوحتين كشهيد، جعل كل واحد منا يقسم بأن يصبح "أبو سيد"."

في ذلك اليوم، ماتت مع "أبو سيد" مبادرة حكومية سرية للتفاوض مع زعماء الطلاب. هذا ما علمته الجزيرة من ضابط كبير في المخابرات كان يقيم قناة خلفية مع زعماء الطلاب.

"تحدثت مع الطلاب، فقالوا لي بعد هذا الفيديو، بعد موت هذا الرجل، إنه يصعب جداً عليهم الجلوس مع الحكومة."

حصلت الجزيرة على تسجيلات مكالمات هاتفية سرية للشيخة حسينة ولأقرب حلفائها، تكشف كم كانت الحكومة تسعى يائسة إلى احتواء الأزمة بعد مقتل "أبو سيد".

كانت رئيسة الوزراء تدير شبكة رقابة عميقة ومكثفة، تناط بها مهمة تسجيل المكالمات الهاتفية التي يجريها سياسيو المعارضة، وكذلك المكالمات التي يجريها وزراؤها والمسؤولون في حكومتها. يبدو أن قلة قليلة من الناس كانوا فوق الشبهات.

قامت حسينة أثناء الانتفاضة بإقفال الإنترنيت وإغلاق مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والواتساب من أجل إعاقة قدرة المحتجين على التنظيم، والحيلولة دون وصول صور العنف المؤذية إلى العالم الخارجي.

ولكنها نصبت بذلك لنفسها مصيدة. فبعد أن لم يعد بإمكانها استخدام قنوات رقمية آمنة، بدأت الشيخة حسينة بإجراء مكالمات هاتفية عبر خطوط الهاتف المفتوحة، وهي المكالمات التي كانت أجهزة مخابراتها تقوم بتسجيلها.

كلفت الجزيرة خبراء في تحليل الأصوات بتحليل التسجيلات للتحري مما إذا كان قد تم معالجة التسجيلات بالذكاء الاصطناعي، وكذلك من أجل التعرف على هويات المتصلين من خلال مطابقة الأصوات.

حصلت الجزيرة على تسجيل لمكالمة بين أقرب مستشاريها الوزير سلمان ف رحمان ورئيس الشرطة شودري عبد الله المأمون.

أثناء المكالمة، يضغط وزير الاقتصاد على المأمون من أجل إخراج تقرير تشريح جثة "أبو سيد".

سلمان ف رحمان: مرحباً. حسناً يا مأمون (رئيس الشرطة)، فيما يتعلق بذلك الشخص – أبو سيد من رانغبور الذي مات، هل تم الانتهاء من تقرير تشريح جثته؟ هل تلقيتم التقرير؟

رئيس الشرطة: لم يصلنا بعد يا سيدي.

سلمان: لماذا لم تتلقوه حتى الآن؟ لماذا يستغرق كل هذا الوقت؟

رئيس الشرطة: يا سيدي، هذا شأنهم. لم يسلموه لنا بعد يا سيدي. لم يعطوه لنا بعد يا سيدي. إنهم يلعبون الغميضية معنا يا سيدي.

حتى واحد من أقوى الشخصيات في حكومة حسينة، ورغم استخدامه كل ما لدى الحكومة من صلاحيات، لم يتمكن من الحصول على تقرير تشريح الجثة. كان الدكتور إسلام، من خلال ممارسته للعبة الغميضية يحبط جهود الدولة الساعية لنشر رواية مختلفة عن ملابسات مقتل "أبو سيد".

خلال أقل من 48 ساعة منذ مقتله، اندلعت الاحتجاجات في الشوارع في كل أنحاء البلاد، حتى خرجت الأمور عن سيطرة حكومة رابطة عوامي ورؤساء الأجهزة الأمنية فيها.

لم تزل بنغلاديش تعاني من سنوات طويلة من فساد الدولة ومن القمع السياسي الشديد على خلفية اقتصاد آخذ في التدهور. ولهذا غدا أبو سيد أيقونة للانتفاضة. ثم ما لبث تزايد أعداد الوفيات بين الطلاب المحتجين أن صب الزيت على النار.

تولت الزعيمة المتورطة دوراً أكبر في توجيه وإدارة قواتها الأمنية، مستخدمة في ذلك أكثر من خمسين هاتف نقال. ومع ذلك استمر تسجيل مكالماتها من قبل المركز الوطني لرصد الاتصالات الهاتفية. تكشف المكالمات المسجلة عن قسوة الإجراءات التي كانت على استعداد لاتخاذها من أجل مواجهة الاحتجاجات على المحاصصة.

بعد يومين من وفاة "أبو سيد"، تم تسجيل مكالمة للشيخة حسينة تتحدث فيها مع أحد أقاربها المقربين، الشيخ فيصل طبوش، عمدة جنوب دكا القوي، الذي أبلغها بأن المتظاهرين يتحركون باتجاه منطقة معينة في دكا. تقول رئيسة الوزراء إنها أمرت قواتها شبه العسكرية راب، والتي تبث الرعب في النفوس، بأن تمارس صلاحياتها مسنودة بالمروحيات.

طبوش (من أفراد العائلة): نعم، في هذه الحالة تعليماتك مطلوبة.

الشيخة حسينة: لا، لقد صدرت تعليماتي. لقد أصدرت أمراً مفتوحاً تماماً. لسوف يستخدمون الآن الأسلحة الفتاكة، أطلقوا عليهم النار حيث وجدتموهم.

طبوش (من أفراد العائلة): نعم

الشيخة حسينة: لقد صدرت بذلك التعليمات. كنت قد منعتهم حتى الآن … فقد كنت أفكر بسلامة الطلاب.

بدأت المستشفيات في المدينة تتحدث عن العديد من الحوادث التي تعرض فيها المحتجون لإطلاق الرصاص من المروحيات.

طوال تلك الفترة كان كبار ضباط المخابرات يسعون جاهدين للحصول على تقرير التشريح من الدكتور إسلام، وهو التقرير الذي قد يفضي إلى مزيد من التصعيد. في تصريح للجزيرة، مشترطاً عدم الكشف عن هويته خشية تعرضه للأذى، قال أحد الضباط:

"حاولت الحصول على التقرير، ولكن كان الأطباء فعلياً مترددين في كتابة التقرير. لأنه لو جاء معاكساً لرغبة الحكومة، فسوف تلقي الحكومة القبض عليهم، وإذا جاء معاكساً لرغبة الطلاب، فسوف يقوم الطلاب بمهاجمة المستشفى ومهاجمة آخرين. ولذا، قمت بإرسال بعض من عناصري، ولكن الأطباء لم يعطوني أي تقرير، وقالوا إنهم لم يكتبوه بعد."

وأضاف: "تم تصوير مقتل "أبو سيد" في مقطع فيديو انتشر في كل العالم كالنار في الهشيم … سوف تجد الحكومة نفسها الآن في ورطة حقيقية."

على الرغم من الدليل، قال رئيس مخابراتها إن الشيخة حسينة ظلت تقول لمن في دائرتها المقربة إن الطالب مات من ضربة على الرأس وأن موته كان من صنيع المحتجين بهدف إذكاء الفتنة وتهييج الرأي العام.

في مدينة رانغبور، مضى الدكتور إسلام في مساعيه لتعطيل جهود الحكومة الرامية إلى التلاعب بالتقرير، حيث طالبته بحذف أي إشارة إلى البنادق أو إطلاق النار.

"في كل مرة ذكرت في التقرير أن وفاة "أبو سيد" كانت بسبب إصابته بجراحات أحدثتها العديد من الحبيبات وبسبب النزيف الداخلي، الناجم عن طلق بندقية خرطوش أو رصاصة بندقية، وأن ما جرى كان قتلاً للنفس … لم يعجب ذلك الشرطة، وذلك لأن الشرطة كانت ستواجه مشكلة، لأن الشرطة ستكون هي التي قتلته، ولأن ذلك كان قتلاً خارج نطاق القانون."

"كان الوضع حينذاك غاية في السوء لأن الحكومة كانت عدوانية جداً، وأنا موظف حكومة، يمكن أن يحدث لي أي شيء، ثم ظلت الشرطة تضغط عليّ لتقديم تقرير يتوافق مع ما يريدون."

بل بلغ الأمر بالحكومة في بنغلاديش أن عرضت على الطبيب إجازة مدفوعة التكاليف بالكامل.

"عرضوا عليّ أن أرفع تقريراً على هواهم ثم أذهب إلى تايلند مع أفراد عائلتي. فقلت لهم لا، لن أذهب. بعد ذلك، طلبوا مني أن أذهب إلى كوكس بازار (منتجع على الساحل) مع أفراد عائلتي في إجازة لمدة أسبوعين."

تمسك الدكتور إسلام بموقفه، ورفض الرشوة، وبذل قصارى جهده لرفع تقرير يشتمل على قائمة بالجروح الخطيرة التي أودت بحياة "أبو سيد"، وحتى لو اضطر إلى حذف أي إشارة إلى بندقية أو إلى إطلاق نار، فقد أصر على عدم حذف عبارة إنه كان "قتلاً للنفس".

صورة عن تقرير تشريح جثة "أبو سيد"

إلا أن حكاية الشيخة حسينة مع قضية وفاة "أبو سيد" لم تنته بعد. كانت هناك محاولة أخرى لإنقاذ سمعة الحكومة ومصداقيتها بعد عملية القتل التي تمت على مرأي ومسمع من عامة الجمهور. قامت رئيسة الوزراء بالترتيب لأقارب "أبو سيد"، إلى جانب أربعين عائلة أخري فقدت أبناء لها في الاحتجاجات، لكي يأتوا إلى مقر إقامتها الرسمي، وأمرت التلفزيون الحكومي بتصوير المناسبة.

يشق والد "أبو سيد"، واسمه مقبول حسين، طريقه بعناية عبر الزجاج المكسر والمتناثر على أرض غرفة استقبال حسينة التي تعرضت للتهشيم. إنه يتواجد داخل نفس الحجرة التي جُمعوا فيها لكي يتم استعراضهم أمام الكاميرات بينما راحت الشيخة حسينة تمنح كل عائلة من العائلات الحاضرة مبلغاً من المال. كان اسم ابنه – أبو سيد – مخطوطاً على العديد من الجدران … إنها جداريات الانتفاضة.

"عندما أرى ذلك أشعر كما لو أن اسم ابني انتشر في كل مكان، بينما تعرض قصر حسينة، الذي كان مزيناً ومزخرفاً، للإزالة والتخريب، وبات منظره كالبيت الخرب، أليس كذلك؟ ذلك هو الذي أشاهده الآن."

يتذكر حسين ذلك اليوم جيداً.

"لقد أجبرتنا حسينة على المجيء إلى غونوبهابان (مقر السكن الرسمي لرئيسة الوزراء). جاء كل المسؤولين في الحكومة وقالوا "السيارة، السكن، الطعام، السفر، كل شيء مجاناً، يجب أن تأتوا." كانت حسينة حينها في السلطة، لم يكن بإمكاننا رفض الذهاب … لقد أجبرونا على المجيء."

شقيقة "أبو سيد"، واسمها سومي خاتون، تتذكر ذلك اليوم جيداً أيضاً.

"انتابنا الخوف ونحن في الداخل، لأن حسينة كانت حينذاك في السلطة. لقد قتلوا شقيقي … كنا خائفين، وهم أجبرونا."

كانت عائلة "أبو سيد" الأولى في صف من الناس الذين سيقدمون إلى رئيسة الوزراء، التي قامت، بينما كانت الكاميرات تصور، بمنحهم مالاً. تصف سومي خاتون المشهد على النحو التالي:

"قالت حسينة سوف نقدم العدالة لشقيقك بعد أن نحقق في الأمر ونعرف من قتله. فقلت لقد ظهر في مقطع الفيديو أن الشرطة هي التي قتلته، فما الذي تحتاجون للتحقيق فيه؟ ومع ذلك قالت "لسوف نحقق ثم نقيم العدل."

وقالت سومي: "لقد كان قدومنا إلى هنا خطأ … فهمنا أن حسينة كانت ستقول إن عائلة "أبو سيد" ليست آسفة لأن ابنهم قتل … وأننا توصلنا إلى اتفاق. انتابنا شعور شيء جداً."

لم يكن لهذا الاستعراض التلفزيوني للعائلات الثكلى كبير أثر. بل امتلأت صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون بصور المعارك اليومية بين المحتجين والشرطة. ما يقرب من عشرين ألف طالب أصيبوا طوال الأحداث، وتعرضت كثير من المباني الحكومية للإتلاف. كما مات العشرات من ضباط الشرطة ومن أنصار رابطة عوامي.
غدا مقتل "أبو سيد" بؤرة للحركة الاحتجاجية. ما كان بإمكان أي قدر من الترهيب إخماد الغضب الذي تدفق إلى شوارع بنغلاديش في شهر يوليو / تموز من ذلك العام. كان هذا الغضب هو الذي أسقط، في نهاية المطاف الحكومة، وجعل الشيخة حسينة تلوذ بالفرار إلى المنفى.

وقفت سومي خاتون تحدق بأطلال السكن الرسمي، تلك الحجرات التي كانت حسينة ذات يوم تمارس من داخلها سلطة مطلقة، لتعرب عن الأمل بأن يجلب موت "أبو سيد" تغييراً دائماً.

"ما نتمناه هو أن تكون الحكومة القادمة، حينما تأتي، عادلة ونزيهة، لا حكومة استبدادية، فلا يتم تفريغ حجر أم واحدة في سبيل قضية عادلة، ولا تفقد فتاة واحدة شقيقها … ولا يضطر أحد للتضحية بحياته من أجل نوال الحقوق."

في تصريح للجزيرة، قال الناطق باسم رابطة عوامي إن الشيخة حسينة لم تستخدم أبداً مصطلح "الأسلحة الفتاكة"، ولم تخول بشكل خاص قوات الأمن باستخدام القوة الفتاكة. كما أن رئيسة الوزراء السابقة تنفي صحة مكالمة الثامن عشر من يوليو / تموز.

وفيما يتعلق بوفاة "أبو سيد"، جاء في بيان الناطق باسم رابطة عوامي "لقد كانت الحكومة صادقة ومخلصة في عزمها على التحقيق في أي سلوك شائن صادر عن جميع الأطراف التي تورطت في العنف، بما في ذلك قوات الأمن."