مقال
ما الذي يكشف عنه تحقيق الجزيرة في جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة؟
لقد دققت وحدة تحقيقات الجزيرة في الآلاف من مقاطع الفيديو والصور المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الجنود الإسرائيليين.
7 أكتوبر 2024
عندما دخلوا إلى غزة في السابع والعشرين من أكتوبر، بعد ثلاثة أسابيع من القصف الجوي التي تلا هجوم السابع من أكتوبر على إسرائيل، أخذ الجنود الإسرائيليون هواتفهم معهم.
في مقابلة مع وحدة تحقيقات الجزيرة، قالت الروائية الفلسطينية سوزان أبو الهوا: "نعيش في حقبة التكنولوجيا، ولقد تم وصف هذا الأمر بأنه أول إبادة جماعية يتم بثها على الهواء في التاريخ."
نشر الجنود الإسرائيليون خلال العام المنصرم الآلاف من مقاطع الفيديو والصور عبر الإنستغرام والفيسبوك وتيك توك ويوتيوب.
تشكل تلك المادة من مقاطع الفيديو والصور القاعدة التي يقوم عليها الفيلم الجديد الذي أنتجته وحدة تحقيقات الجزيرة، وهو فيلم يحقق في جرائم الحرب الإسرائيلية انطلاقاً، بالدرجة الأولى، من الأدلة التي يوفرها الجنود الإسرائيليون أنفسهم.
تعتبر هذه المادة، من وجهة نظر رودني ديكسون، خبير القانون الدولي الذي يظهر في الفيلم، "كنزاً دفيناً يندر أن تتمكن من الوصول إليه .... وهو شيء، في ظني، سوف يثير شهية من سوف يتصدرون للادعاء في هذه القضايا."
كيف تم إنجاز هذا التحقيق؟
بينما سعى الصحفيون في الغرب إلى تقديم صورة للحرب في غزة باعتبارها معقدة ومتشعبة التفاصيل، يمكن الاستنتاج من فيض من المنشورات التي رفعها الجنود الإسرائيليون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن الحرب لم تكن أبداً كما صورها أولئك الصحفيون.
قررت وحدة تحقيقات الجزيرة التدقيق في هذه المنشورات.
توقعت الوحدة أن تضطر إلى تكريس كم هائل من الموارد لتحديد المواقع الجغرافية – استخدام خرائط الأقمار الصناعية وغير ذلك من المصادر للتعرف على مواقع بعينها – واستخدام برامج التعرف على ملامح الوجه لمسح الإنترنيت بحثاً عن هويات الجنود الذين يظهرون في الصور وفي مقاطع الفيديو. ولكن ما وجدته هو أن الجنود، في أغلب الحالات، كانوا ينشرون المواد بأسمائهم عبر المنصات الترويجية المتاحة، وكثيراً ما يوفرون معلومات تفصيلية حول متى وأين وقعت الحوادث التي يصفونها.
بدأت الوحدة في جمع هذه المقاطع وتلك الصور، وفي إنشاء قاعدة بيانات لأكثر من ألفين وخمسمائة حساب في مواقع التواصل الاجتماعي.
ثم عرضت المقاطع والصور على تشكيلة منوعة من الخبراء العسكريين وخبراء حقوق الإنسان، بما في ذلك ديكسون، وشارلي هيربرت، اللواء المتقاعد في الجيش البريطاني، وبيل فان إسفيلد، المدير المشارك في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا داخل منظمة هيومان رايتس ووتش.
كما وظفت فرقاً في الميدان لتصوير وتوثيق شهادات الشهود، واستخدمت مقاطع الفيديو الملتقطة من قبل المسيرات الإسرائيلية والتي جمعتها قناة الجزيرة العربية.
ما الذي وجده التحقيق؟
يتراوح السلوك الذي تكشف عنه الصور ومقاطع الفيديو ما بين النكات الفظة وقيام الجنود بالعبث بجوارير الملابس الداخلية للنساء إلى ما بدا أنه جرائم قتل ترتكب بحق المدنيين العزل.
سوف تناط بالمدعين تحديد ما إذا كان الجنود مذنبين أم لا، ولكن ديكسون وفان إسفيلد كلاهما أخبرا الجزيرة إن العديد من الحوادث التي تم توثيقها تستدعي النظر فيها من قبل محققين دوليين.
معظم الصور ومقاطع الفيديو تدخل في واحدة من أصناف ثلاثة: التدمير العبثي، إساءة معاملة المعتقلين، واستخدام الدروع البشرية. وهذه الثلاثة قد يثبت أنها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وأنها جرائم حرب بموجب نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية.
التدمير العبثي
كثيراً ما تظهر مقاطع الفيديو الجنود وهم يحطمون ويدمرون الممتلكات والحاجيات، بينما تظهر في مقاطع أخرى البيوت وهي تتعرض للحرق. أكثر المشاهد شيوعاً هي مشاهد تفجير المباني.
في حديثه مع الجزيرة، يقول هيربرت: "حقيقة أنهم تمكنوا من زرع المتفجرات في هذه المباني يثبت بوضوح شديد أن تلك المباني لم تكن تشكل أي تهديد حالي عليهم."
أما فان إسفيلد فيقول: "لا يوجد ما يبرر تدمير مبنى لا وجود للعدو داخله. لا يمكنك أن تجول عابثاً وتدمر الممتلكات المدنية بدون أدنى مبرر. هذا محظور، وإذا ما مارست منه ما يكفي، فتلك جريمة حرب."
ماذا يقول القانون الإنساني الدولي حول تدمير الممتلكات؟
تحرم المادة 8 (2) (أ) (الفقرة الرابعة) من نظام روما "التدمير الموسع للممتلكات أو الاستيلاء عليها إذا لم يكن ذلك مبرراً بالضرورة العسكرية، وإذا ما تم ذلك بشكل غير مشروع وبطريقة عبثية."

إساءة معاملة المعتقلين
تظهر بعض مقاطع الفيديو عدداً ضخماً من المعتقلين وهم عراة إلا من ملابسهم الداخلية، وقد أجبروا على القعود في مواضع مجهدة، بينما تتم السخرية بهم وقد لطخوا أنفسهم. وفي أحد المقاطع يظهر المعتقلون عراة، أو شبه عراة، وهم مقيدون ومعصوبون، بينما يتعرضون للركل والسحل على الأرض.
في أحد مقاطع الفيديو، يقوم جندي إسرائيلي فرنسي بتصوير أحد المعتقلين وهو يجر من داخل شاحنة ويقول: "انظروا، سوف أريكم ظهره، ولسوف تضحكون من ذلك. لقد تم تعذيبه."
يقول ديكسون في حديثه مع الجزيرة: "إن التعذيب واحد من أخطر الجرائم الدولية ... ولكن يصعب في كثير من الأحيان جمع الأدلة على وقوعه. هذا النوع من المادة، حيث لديك أشخاص يعترفون أمام الكاميرا بأنهم شاركوا في التعذيب، سوف يكون مفيداً جداً لأي محقق أو مدعي."
يتمم ما ورد في فيديوهات الجنود ما جمعه فريق وحدة تحقيقات الجزيرة في غزة من شهادات الشهود. يتضمن الفيلم ثلاث حكايات حول التعرض للضرب والتعذيب.
يقول أبو عامر: "لقد أخذوا ابني الكبير، الذي تزوج لتوه. تعرض للتعذيب. كان باستطاعتي سماع صيحاته وهم يخنقونه ويضربونه في الغرفة المجاورة. لم يكن بإمكاننا فعل شيء والبنادق مصوبة إلى رؤوسنا. لم يكن بإمكاننا الإتيان بأي حركة."
يقول أبو عامر إن أحد الجنود قال لابنه: "لا شيء يمنعنا من قتلك. بل بإمكاننا أن نقتلكم جميعاً. هذا شيء عادي. لن يمنعنا أحد من ذلك، ولن يحاسبنا أحد عليه."
كما أن النساء تعرضن أيضاً للإساءة. تقول هديل الدحدوح إن جندياً ركلها في بطنها، وتضيف: "ضربني على ظهري بالبندقية، وكذلك على الرأس بقطعة من الحديد كانت في يده. قلت له خفف القيود التي على يدي، ولكنه شددها أكثر فأكثر."
يقول فلسطيني آخر من غزة اسمه فاضل بكر إنه أجبر من قبل جندي هدد بإعدامه على الاستلقاء فوق جثث متعفنة.
وفيما بعد في مركز اعتقال سدي تيمان، والذي يقع جنوبي إسرائيل، قال إنه شاهد الحراس يستخدمون كلباً لاغتصاب سجين شاب.
ماذا يقول القانون الإنساني الدولي عن إساءة معاملة المعتقلين؟
تحرم المادة 8 (2) (أ) (الفقرة الثانية) "التعذيب أو المعاملة السيئة، بما في ذلك التجارب البيولوجية." أما المادة 8 (2) (ب) (الفقرة الحادية والعشرون) فتحظر "ارتكاب ما ينتهك الكرامة الشخصية، وبشكل خاص الامتهان والمعاملة المهينة."
دروع بشرية
قابلت وحدة تحقيقات الجزيرة ستة أفراد شهدوا بأنهم استخدموا دروعاً بشرية من قبل القوات الإسرائيلية.
يصف أبو عامر كيف أنه أثناء الاشتباكات بين الجنود الإسرائيليين والمقاتلين الفلسطينيين كان الجنود الإسرائيليون "يأخذوننا، الرجال، ويضعوننا بالقرب من الشرفة. كانوا يصوبون أسلحتهم فوق رؤوسنا ويطلقون النار على الشباب الذي كانوا في الجانب الآخر."
ويقول إنه أجبر بعد ذلك على فحص المباني للتأكد من خلوها من الألغام ومن الكمائن بينما كان جندي يرصده من إحدى الشرفات مصوباً تجاهه مدفعاً رشاشاً. "قال، إذا حاولت أي شيء فسوف أطلق عليك النار."
يعزز ذلك ما جمعته قناة الجزيرة العربية من مقاطع مصورة يظهر فيها المعتقلون وهم يجبرون على تفقد المباني الخالية بينما يتم رصدهم من قبل طائرة مسيرة.
تظهر مقاطع مصورة منفصلة معتقلين مدرجين بدمائهم بينما يتم تركيب كاميرات عليهم قبل أن يجبروا على دخول مبان لم يؤمنها الجنود بعد.
تظهر صورة التقطها جندي إسرائيلي في مدينة غزة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) وتم نشرها عبر الإنترنيت اثنين من المعتقلين وهما يسيران أمام دبابة وخلفهما جندي. في مقابلة أجريت معه، وصف أحد الرجلين فيما بعد كيف أجبرا على استخدامهما دروعاً بشرية.
في مستشفى ناصر في خان يونس في شهر فبراير (شباط)، أجبر شاب من قبل الإسرائيليين على القيام بدور المراسل، لأمر الناس الذين نزحوا إلى المستشفى بإخلاء المبنى. فيما بعد تم قتل الشاب على يد قناص أمام والدته.
يشرح ديكسون ذلك قائلاً إن استخدام الناس لأداء أي مهام عسكرية هو "ما يعرف بأشكال عدة باستخدام الأشخاص دروعاً بشرية."
التقت وحدة تحقيقات الجزيرة بوالدة الشاب الضحية وبشاهد عيان آخر.

ماذا يقول القانون الإنساني الدولي حول استخدام الدروع البشرية؟
تحظر المادة 8 (2) (ب) (الفقرة الثالثة والعشرون) من نظام روما "استغلال وجود المدنيين أو أي شخص آخر محمي لتحصين نقاط معينة أو مناطق أو قوات عسكرية ضد العمليات العسكرية."
هل هناك وحدات معينة تظهر بشكل بارز في الصور ومقاطع الفيديو؟
تظهر بشكل بارز في مقاطع الفيديو المنشورة عبر الإنترنيت كتيبة سلاح الهندسة رقم 8219 – والتي تعرف أيضاً بمغاوير غادان.
دمرت هذه الكتيبة مئات المباني داخل مدينة غزة ثم انتقلت إلى جنوب القطاع حيث قامت في الفترة من 28 ديسمبر (كانون الأول) إلى 9 يونيو (حزيران) بتدمير خربة خزاعة عن بكرة أبيها، وهي بلدة يقطنها 13 ألف نسمة وتقع بجوار السياج الذي يفصل غزة عن إسرائيل.
في مشاركة له عبر إنستغرام يوم السابع من يناير (كانون الثاني)، كتب الكابتن خاي روي كوهين التابع للفرقة سي من كتيبة 8219 ما نصه: "لقد دمرنا قرية بأكملها انتقاماً مما فعلوه بكيبوتز نير عوز يوم السابع من أكتوبر." يقع كيبوتز نير عوز على الجانب الآخر من السياج مباشرة مقابل خربة خزاعة، وتعرض لهجوم يوم السابع من أكتوبر، حيث قتل أو أسر في الهجوم ما يقرب من ربع سكانه.
في مقابلته مع الجزيرة، يقول فان إسفيلد: "ما نسمعه من حديث بعض الجنود الإسرائيليين عن الانتقام يبعث على القلق. فالفظائع لا تبرر الفظائع."
أثناء عملياتها في غزة، كانت كتيبة 8219 تحت إمرة اللواء مائير دوفدفاني.
يقول ديكسون: "سوف تبحث المحكمة الجنائية الدولية عن أولئك الذين يحتلون مواقع عليا في الهرم القيادي، ولا ريب في أن الدليل الوارد مباشرة من القادة الميدانيين حول الأوامر التي أصدروها وحول الطريقة التي أداروا بها جنودهم وتحكموا بهم سوف يكون دليلاً بالغ الأهمية."
كما قامت وحدة تحقيقات الجزيرة بفحص مقطع فيديو نشر عبر الإنترنيت من قبل جندي يُدعى شالوم غيلبرت، التابع لكتيبة المظليين رقم 202. يظهر في الفيديو ثلاثة رجال عزل وهم يقتلون من قبل قناصة.
يقول ديكسون: "مجرد وجود مدني يسير في منطقة يدور فيها القتال لا يحولهم إلى صيد مباح. لو أنهم شاركوا في الأعمال القتالية في لحظة معينة، نعم، عندها يفقدون صفتهم المدنية، حيث يمكن أن يُستهدفوا. ولكن حتى حينها يجب عليك أن تثبت بالدليل أنهم كانوا يشكلون خطراً عليك. يمكن بالفعل أن يكون ذلك من الأمور التي قد ترغب المحكمة الجنائية الدولية في النظر فيها."
تشتمل الكتيبة 202 على فريق من القناصة يعرف باسم وحدة الشبح. تتشكل الوحدة من 21 شخصاً.
التواطؤ الغربي
تخضع الحكومة الإسرائيلية حالياً للتحقيق في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. وهذا يثير إمكانية توجيه نفس التهمة كذلك إلى أي بلد قد يكون مد يد العون لإسرائيل في مجهودها الحربي.
ما بين عام 2019 وعام 2023، كان ما نسبته 69 بالمائة من السلاح المستورد من قبل إسرائيل يأتي من الولايات المتحدة، وما نسبته 30 بالمائة يأتي من ألمانيا. استمر البلدان كلاهما في تزويد إسرائيل بالأسلحة طوال هذا الصراع، على الرغم من أن الواردات الألمانية تضاءلت منذ مطلع هذا العام.
يتطرق الفيلم لتقرير صادر عن منظمة ديكلاسيفايد يو كيه، حول الدور المركزي الذي تلعبه قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني أكروتيري في جزيرة قبرص. وذلك أن البريطانيين يقومون منذ مطلع ديسمبر (كانون الأول) بتسيير رحلات جوية للاستكشاف والمراقبة فوق غزة، بحجة تيسير عملية إنقاذ الرهائن الإسرائيليين.
في الفيلم، يقول مات كينارد، من منظمة ديكلاسيفايد، إن هذا "لا يفسر" المهام التي تقوم بها الرحلات الجوية. وذلك أنه لا يوجد سوى رهينتان بريطانيتان في غزة، بينما تم بحلول مارس (آذار) التقاط ما يصل إلى ألف ساعة من المقاطع المصورة [الاستكشافية]."
تحظى طائرات آر 1 شادو التي تستخدمها بريطانيا بقدرات تمكنها من تحديد مواقع الأهداف.
يشرح فان إسفيلد ذلك قائلاً: "عندما تبدأ بالتصرف في صراع ما إلى المستوى الذي يتمكن معه الناس الذين في الميدان، والذين يقومون بالقتال، من استخدام معلوماتك أثناء قتالهم، فيمكن حينها أن تصبح طرفاً في الصراع."
ويضيف: "إذا ما استمرت معرفتك بذلك، ومضيت في توريد الأسلحة والمعلومات المحددة للأهداف، إذا ما وفرت المعلومات الخاصة بالاستهداف، على الرغم من علمك بالنتيجة المتوقعة، والنتيجة هي انتهاك سافر لحقوق الإنسان، فأنت أيضاً منغمس في التواطؤ. وعندها، تتبخر تصريحاتك التي تنفي تورطك العميق فيما يجري داخل غزة."
سألت وحدة تحقيقات الجزيرة الحكومة البريطانية عن رحلاتها الجوية الاستطلاعية، فأخبرتنا بما يلي: "بريطانيا ليست مشاركة في الصراع بين إسرائيل وحماس. من حيث المبدأ، نحن فقط نزود حلفاءنا بمعلومات استخباراتية، حيثما تشكلت لدينا القناعة بأن المعلومات سوف تستخدم فيما يتوافق مع القانون الإنساني الدولي. فقط المعلومات ذات العلاقة بإنقاذ الرهائن هي التي يتم تزويد السلطات الإسرائيلية بها."
وأضافت: "لم تزل أولويتنا هي التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة حتى يتسنى إطلاق الرهائن وحماية المدنيين وإدخال المساعدات."